الشنقيطي

89

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والثانية : يباح له الشبع . اختارها أبو بكر ؛ لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة ، فقالت له امرأته : أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله ؟ فقال : حتى أسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فسأله فقال : هل عندك غنى يغنيك ؟ قال : لا . قال : فكلوها ولم يفرق . رواه أبو داود « 1 » . ويدل له أيضا حديث الفجيع العامري عنده : أن النبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح « 2 » ، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها ؛ ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح ، ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال ، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جاز الشبع : لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب ، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه ، وربما أدى ذلك إلى تلفه ، بخلاف التي ليست مستمرة ، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل ، واللّه أعلم . انتهى من المغني بلفظه . وقال إمام الحرمين : وليس معنى الشبع أن يمتلئ حتى لا يجد مساغا ، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك أه . قاله النووي . * * * المسألة الثانية : حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة ، هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا . قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة أه : وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنّا ، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت ، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد . وقال النووي في شرح المهذب : الثانية في حد الضرورة . قال أصحابنا : لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها ، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك ؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع ، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها لأنه غير مفيد ، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي ، أو عن الركوب ، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك .

--> ( 1 ) كتاب الأطعمة حديث 3816 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأطعمة حديث 3817 .